السيد عبد الأعلى السبزواري

282

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وأبيض ناصع ، وأخضر ناضر ، وأصفر فاقع . وكلها صفات مبالغة لهذه الألوان . وقد نقل أن الصفرة الشديدة توجب السرور ، وتجلي البصر ، وعن الصادق ( عليه السلام ) : « من لبس نعلا صفراء لم يزل مسرورا حتّى يبليها » . قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ . تشديد آخر منهم على أنفسهم ، وعن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « إنهم أمروا بأدنى بقرة ، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم وأيم اللّه لو لم يستثنوا ما اهتدوا إليها أبدا » . والمنساق من هذه الآية المباركة أنها في مقام بيان صفات فعلها ، والآية السابقة في مقام بيان صفات جسمها . والمعنى : إنّ وجوه البقرة تتشابه فأرادوا زيادة التمييز ، وقوله تعالى : إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ استثناء منهم ، وهذا هو المراد من قوله ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « لو لم يستثنوا ويقولوا إن شاء اللّه لما تبينت لهم إلى آخر الأبد » . قوله تعالى : قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها . الذلول من البهيمة ما كانت منقادة ومعتادة للعمل أي : صعبة ليست معتادة لعمل إثارة الأرض ، ولا تطاوع لأن يسقى بها الزرع أو يستقى عليها والمراد بالمسلّمة أي : سلمها اللّه تعالى من العيوب . و « لا شِيَةَ فِيها » أي لونها متحد ليس فيه اختلاف وتعدد كما في بعض الأبقار وأصله من الوشي وهو خلط اللون باللون . قوله تعالى : قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ . أي : إنك بينت الحق ، لظهور الأوصاف التي بيّنها موسى ( عليه السلام ) في ما وجدوها من البقرة . قوله تعالى : فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ . لكثرة ثقل ذلك التكليف عليهم بما شددوا على أنفسهم ، أو لغلاء ثمنها - كما في بعض الروايات على ما يأتي في البحث الروائي - أو خوفا للفضيحة وكيف كان فهو يدل على امتهانهم لأوامر اللّه تعالى ، وإنما أمروا بالذبح دون ضرب الحي لئلا يقعوا في الضلالة أكثر .